يحبس اللبنانيون أنفاسهم ترقّبًا لمسار التطورات السياسية والعسكرية في المنطقة وانعكاساتها على لبنان، حيث يتأرجح مستقبل الجنوب بين مسارين متوازيين.
المسار الأول دبلوماسي على محورين: الأول عبر باكستان، وقد تبلورت ملامحه ضمن مذكرة تفاهم أميركية – إيرانية، ستفضي إلى وقف شامل لإطلاق النار على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، لكن دون الخوض في تفاصيل أخرى، مثل الانسحاب الإسرائيلي من المناطق الجنوبية التي احتلتها خلال الحرب.
والمحور الثاني يتمثل في مفاوضات سياسية وعسكرية مباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، يُتوقع استئنافها في 22 حزيران لوضع خارطة طريق للمرحلة المقبلة، وستُبحث فيها مختلف القضايا، بدءًا من الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني، إلى الإعمار وعودة الأهالي وتحرير الأسرى وسواها.
وتؤكد مصادر سياسية لـ"النشرة" أن ثمة اختلافًا كبيرًا بين المسارين، إذ يصرّ لبنان الرسمي، من خلال رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، على فصل المسار اللبناني عن الإيراني ورفض ربط الساحات بمحور المقاومة، لكنه لا يملك أوراق قوة، ومنها ما يتعلق بسلاح حزب الله ومصيره.
أما المسار الثاني فهو ميداني، يتمثل في تصعيد عسكري إسرائيلي متواصل بمعزل عن التفاهمات السياسية، مع سعيها إلى فرض وقائع ميدانية جديدة، ومنها محاولة السيطرة على نقاط استراتيجية، وآخرها مرتفع "علي الطاهر" المشرف على النبطية، بهدف قطع طرق الإمداد على "حزب الله"، استكمالًا لمخططها في السيطرة على قلعة الشقيف.
ثلاثة سيناريوهات
وبين هذين المسارين، تشير مصادر مطلعة لـ"النشرة" إلى أن المشهد الجنوبي يبدو ضبابيًا، ويتأرجح بين ثلاثة سيناريوهات محتملة: أولًا، سيناريو تهدئة شاملة ضمن التسوية الدبلوماسية الأميركية – الإيرانية. ثانيًا، سيناريو عدم الالتزام بالاتفاق، وبالتالي استمرار حرب الاستنزاف. وثالثًا، سيناريو التفاوض تحت النار، الذي يمنع الحرب الشاملة مقابل إعادة صياغة المعادلة الأمنية جنوبي الليطاني وتقليص القدرات العسكرية لـ"حزب الله".
وإذ توقّع الخبير العسكري العميد بهاء حلال لـ"النشرة" أن يكون لبنان ضمن مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، إلا أن ذلك قد ينعكس عمليًا عبر ثلاثة مسارات: أولًا، خفض سقف التصعيد الإقليمي بحيث تتحول الساحات المتوترة إلى مساحات احتواء لا حسم. ثانيًا، إعادة ترتيب أولويات الفاعلين المحليين والإقليميين، إذ تميل القوى المرتبطة بالتوازنات الكبرى إلى إعادة تموضعها. ثالثًا، إدارة النزاع بدل إنهائه، وهو ما ينسجم مع المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية.
وأوضح أنه حتى لو تضمن الأمر تفاهمًا أميركيًا – إيرانيًا، فهذا لا يعني تلقائيًا إنهاء المواجهة في جنوب لبنان، بل قد يعني وضع حدود لها، مشيرًا إلى أن السؤال المطروح هو: هل تلتزم إسرائيل بأي معادلة جديدة؟ ولا سيما أنها لا تفضّل تثبيت ردع متبادل دائم إذا رأت إمكانية لتعديل البيئة الأمنية لمصلحتها.
وأردف العميد حلال أن إسرائيل، في المقابل، تواجه معضلة كلاسيكية تتمثل في أن القوة لا تكمن في استخدامها، بل في القدرة على جعل الطرف الآخر يغيّر حساباته. وبالتالي، فإن الالتزام الإسرائيلي بأي تهدئة يبقى مرتبطًا بثلاثة شروط: ضمان أمن الشمال، ومنع تعاظم القدرات العسكرية المقابلة، وعدم دفع المنطقة إلى حرب شاملة ذات كلفة استراتيجية.
ورأى أن الأهداف الإسرائيلية المحتملة تتلخص في أربعة محاور: أولًا، إنشاء عمق أمني غير معلن، ليس بالضرورة احتلالًا تقليديًا، بل بيئة تقلّ فيها القدرة على فرض تهديد مباشر. ثانيًا، إعادة تعريف قواعد الاشتباك، أي الانتقال من الرد على التهديد إلى منع تشكّله. ثالثًا، الضغط لإعادة ترتيب السلطة الأمنية جنوبًا عبر تعزيز أدوار المؤسسات الرسمية وإضعاف الفاعلين المسلحين غير الدولتيين. رابعًا، تحسين الموقع التفاوضي بحيث تتحول المكاسب الميدانية إلى أوراق سياسية.
وحول المقاومة ومعادلة توازن الرعب الجديدة، ميّز العميد حلال بين مفهوم «توازن الردع» الذي يختلف عن «توازن القوة». فتوازن القوة يعني تقارب الإمكانات، أما توازن الردع فيعني أن تكلفة المبادرة تصبح أعلى من فائدتها.
وعن السيناريوهات المحتملة للمشهد الجنوبي، عرض ثلاثة سيناريوهات: الأول، تثبيت الاشتباك المضبوط (وهو الأرجح)، ويعني استمرار الضربات المتقطعة، وتجنّب التوغل الواسع، وإدارة النزاع لا إنهاءه. وهذا السيناريو ينسجم مع مفهوم الاستقرار– اللااستقرار، حيث يمنع الردع الحرب الكبرى، لكنه لا يمنع الاحتكاك المحدود.
السيناريو الثاني: تصعيد موضعي وإعادة رسم الخطوط، ويعني عمليات محدودة، ومحاولات فرض وقائع ميدانية، وتدخلًا دبلوماسيًا سريعًا. أما السيناريو الثالث: انفجار واسع منخفض الاحتمال مرتفع التأثير، ويعني انهيار قواعد الردع، وخطأ في الحسابات، وانتقال الاشتباك إلى مواجهة إقليمية.
وخلاصة المشهد الجنوبي، وفق ما يراه العميد حلال، أنه من المرجّح أن يتجه، في المدى المنظور، لا نحو حرب شاملة ولا نحو سلام مستقر، بل نحو صيغة هجينة تقوم على: ردع متبادل، وتصعيد محدود، وتفاوض غير مباشر، وضغط سياسي مستمر. وفي حال تحقق تفاهم أميركي – إيراني أوسع، فقد ينعكس ذلك على لبنان عبر تخفيض سقف الاشتباك، لا عبر تسوية نهائية. والسؤال الذي سيبقى مفتوحًا ليس: من يربح الحرب؟ بل: من يستطيع فرض قواعد ما بعد الحرب؟

























































